عبد الله بن أسعد اليافعي اليمني المكي

192

مرآة الجنان وعبرة اليقظان

أشرت في هذا إلى أن الحلاج ظفر به سلطان الشرع الظاهر ، وأبو يزيد تحصن بدرع حال الذي هو عن سلاح تسلط السلطان ساتر . قلت : وما أحسن ما أشار بعض أرباب الأحوال في وقوع الحلاج دون أبي يزيد حيث قال : الحلاج خرج من بحر الحقيقة إلى الساحل ، وظفر به فأسر ، وأقيم عليه الحد . وأما أبو يزيد فإنه لم يخرج من بحر الحقيقة والتحقيق ، فلم يكن لهم إلى الظفر به طريق ، هذا معنى كلامه والإشارة ، وإن اختلف منا العبارة . ومن كلام الشيخ العارف بالله تعالى السيد الجليل أبي الشموس أبي الغيث ابن جميل قدس الله روحه فيما نحن بصدده من السكر لمحبة الله تعالى والفناء عما سوى الله تعالى ، لإشارة إلى من صدر منه مثل المقال في سكر وواردات الأحوال ، قوله : هداك الله إلى شراب ماء عين ، من حسا منها حسوة واحدة عدم عقله ، فإن أكثر مما ذكرناه ادعى الربوبية ، ودل على ضعفه لأن من كان قبلنا كان بهذا الوصف ، لكن لباس ثوب العبودية لنا أكمل وأجمل ، وذلك أقصى ما نروم ونطلب . فقد صرح في كلامه هذا بأن مثل هذا إنما يقع عمن سكر بالمشرب المذكور ، وضعف عن احتمال تجلي الجمال والنور . قلت : ومما يختشى من مثل هذا الضعف ما يروى عن غير واحد منهم أنهم كانوا يدافعون الأحوال الواردة عليهم ، لئلا يقعوا في مثل هذا . وكان بعضهم إذا ورد عليه الحال يدخل السوق ، ويسمع كلام الناس ، وما هو فيه من اللفظ . وبعضهم كان يأتي زوجته عن ذلك ، وبعضهم كان يركب الفرس ويركض ويلهو به ، وغير ذلك من اللهو في الأفعال التي تنافي الأحوال . رجعنا إلى ذكر الحلاج : قيل أنه سئل عن التصوف ، وهو مصلوب فقال : هي نفسك إن لم تشغلها شغلتك . قلت : في لا بد لها من أن تشغل ، فإن لم تشغلها بالطاعات ووظائف العبادات شغلتك بالخواطر المذمومات الموقعات في الهوى والآفات . ومن الشعر المنسوب إليه على اصطلاحهم : سكوت ثم صمت ثم خرس * وعلم ثم وجد ثم رمس فطين ثم نور ثم نار * وبرد ثم ظل ثم شمس وحزن ثم سهل ثم قفر * ونهر ثم بحر ثم يبس وسكر ثم صحو ثم شوق * وقرب ثم وصل ثم أنس وقبض ثم بسط ثم محو * وفرق ثم جمع ثم طمس وأخذ ثم رد ثم جذب * ووصف ثم كسف ثم لبس عبارات لأقوام تساوت * لديهم هذه الدنيا وقلس